الثعالبي
92
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
الحطب حتى اجتمع منه ما شاء الله ، ثم أضرم نارا فلما أرادوا طرح إبراهيم فيها لم يقدروا على القرب منها ، فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم : أنا أصنع لكم آلة يلقى بها ، فعلمهم صنعة المنجنيق ، ثم أخرج إبراهيم عليه السلام فشد رباطا ، ووضع في كفة المنجنيق ، ورمى به ، فتلقاه جبريل - عليه السلام - في الهواء فقال له : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما إلى الله فبلى . قلت : قال ابن عطاء الله في " التنوير " : وكن أيها الأخ إبراهيما ; إذ زج به في المنجنيق ، فتعرض له جبريل فقال : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما إلى ربى ، فبلى ، قال : فاسأله . قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فانظر كيف رفع همته عن الخلق ، ووجهها إلى الملك الحق ، فلم يستغث بجبريل ، ولا احتال على السؤال ، بل رأى ربه تعالى أقرب إليه من جبريل ومن سؤاله ; فلذلك سلمه من نمرود ونكاله ، وأنعم عليه بنواله وأفضاله . انتهى . وقوله سبحانه : * ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما ) * قال بعض العلماء فيما روي : إن الله تعالى لو لم يقل : * ( وسلاما لهلك إبراهيم من برد النار ، وروي أنه لما وقع في النار سلمه الله ، واحترق الحبل الذي ربط به ، وقد أكثر الناس في قصصه فاختصرناه ; لعدم صحة أكثره ، وروى : أن إبراهيم عليه السلام كان له بسط وطعام في تلك النار كل ذلك من الجنة ، وروى : أن العيدان أينعت وأثمرت له هناك ثمارها ، وروي : أنهم قالوا : أن هذه نار مسحورة ، لا تحرق ، فرموا فيها شيخا منهم فاحترق ، والله أعلم بما كان من ذلك . قلت : قال صاحب " غاية المغنم في اسم الله الأعظم " وهو من الأئمة المحدثين ، وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : إنه يكتب للمحموم ويعلق عليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، يا الله يا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم * ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ) * ، اللهم رب جبريل وميكائيل اشف حاملها بحولك وقوتك وجبروتك يا ارحم الراحمين . انتهى . وقوله : * ( وسلاما ) * معناه : وسلامة ، و " الكيد " : هو ما أرادوه من حرقه .